أبو الليث السمرقندي

403

تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )

ومعناه : خذلهم حتى عبدوا الشيطان ، وروي عن ابن عباس أنه قرأ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم العين ، ونصب الباء بالتشديد ، يعني : جمع عابد . يقال : عابد وعبّد ، مثل راجع وركّع ، وساجد ، وسجّد . وقرأ ابن مسعود ( وعبدوا الطاغوت ) يعني : يعبدون الطاغوت ، وقرأ بعضهم وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ بضم العين والباء ، ونصب الدال ، وهو جماعة العبيد . ويقال : عبيد وعبد ، على ميزان رغيف ورغف ، وسرير وسرر . ثم قال : أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً يعني : شر منزلة عند اللّه وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ يعني أخطأ عن قصد الطريق وهو الهدى . ثم قال : وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وهم المنافقون من أهل الكتاب . قالوا : صدقنا ووجدنا نعتك . وأرادوا بذلك أن يمدحهم المسلمون ، وهذا كقوله وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا [ آل عمران : 188 ] فأخبر اللّه تعالى عن حالهم فقال : وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ يعني : هم كافرون في الأحوال كلها ، ولا ينفعهم ذلك القول : وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ يعني : عليم بمجازاتهم وهذا تهديد لهم . ثم قال : [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 62 إلى 64 ] وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 62 ) لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 63 ) وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ كُلَّما أَوْقَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ( 64 ) وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ يعني : المعصية وَالْعُدْوانِ يعني : الظلم ، وهو الشرك ، وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ يعني : الرشوة في الأحكام ، لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ يعني : لبئس ما كانوا يتزودون من دنياهم لآخرتهم . ثم قال : لَوْ لا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ يعني : هلّا ينهاهم الربانيون يعني : علماؤهم وعبادهم . وإنما شكا من علماء السوء الذين لا يأمرون بالمعروف ، ويجالسونهم ، ويؤاكلونهم ، وكل عالم لم يأمر بالمعروف ، ويجالس أهل الظلم ، والمعصية ، فإنه يدخل في هذه الآية ،